السيد مصطفى الخميني

455

تفسير القرآن الكريم

لا يتوقع ذلك من المنافقين المبتدين . اللهم إلا أن يقال : بأنه من تشبيه الجملة بالجملة على ما عرفت منا . هذا ، مع أن المناسب هنا هو الترغيب بالإيمان ، وتسهيل الأمر عليهم ، بأن الناس هم المؤمنون ، فالإيمان أمر بسيط يتمكن منه كل الناس ، مع أن فيه تحذيرا من جنود الإسلام ، وأن الناس كلهم آمنوا ، ولم يبق منهم إلا أنتم ، نعم ليس المقصود كل الناس على العموم الاستغراقي ، بل هو الناس في محيط الحجاز ومدنها وقراها ، بل يمكن أن يكون النظر إلى كفهم عن النفاق ، وزجرهم عن الإظهار والإبطان ، وإلى أن يؤمنوا كما آمن الناس بأديانهم ورسلهم وكتبهم ، وليسوا منافقين في ذلك ، فلا يبطنوا أمرهم . وبالجملة : يندفع شبهة ترد على ظاهر الآية وهي : أن قوله تعالى : * ( كما آمن الناس ) * إخبار عن إيمان الناس ، وظاهرها الجمع والعموم الاستغراقي بالضرورة ، مع أن الأمر ليس كذلك ، لأن أكثر الناس غير مؤمنين . وجه الاندفاع : مضافا إلى إمكان كون العمومات وألفاظها غير مستوعبة إلا بعد مقدمات الإطلاق ، فيكون الآية في المشبه به مهملة ، أي أن المشبه به هي الطبيعة الجنسية المهملة ، لا العامة المستوعبة ، يمكن أن نقول : بأن المقصود أن يرفضوا نفاقهم ، ويكونوا مؤمنين كسائر الناس ، وغير منافقين في ديانتهم واعتقادهم ، سواء كانوا يهوديا أو نصرانيا أو حنفيا ، مسلما أو صابئا ، أو غير ذلك ، بل تشمل الآية - من هذه الجهة - تمام المشركين الذين يظهرون شركهم ، فإنهم مؤمنون بشركهم وبكفرهم ، ومعتقدون بذلك ، فالمنافق أسوأ حالا من جميع الناس ، لما فيه من الشر الكثير والإفساد العام فنهوا عنه .